صديق الحسيني القنوجي البخاري

106

فتح البيان في مقاصد القرآن

توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورضوا بحكم الطاغوت . وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك من الطاغوت وغيره جاؤُكَ متوسّلين إليك تائبين من النفاق متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لذنوبهم بالتوبة والإخلاص وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعا لهم فاستغفرت لهم ، وإنما قال : وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وإجلالا للمجيء إليه لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي كثير التوبة عليهم والرحمة لهم . وهذا المجيء يختص بزمان حياته صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وليس المجيء إليه يعني إلى مرقده المنّور بعد وفاته صلى اللّه عليه وآله وسلم مما تدل عليه هذه الآية كما قرره في ( الصارم المنكى ) ولهذا لم يذهب إلى هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن تبعهم بالإحسان . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 65 ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) قال ابن جرير : قوله : فَلا رد على ما تقدم ذكره تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ثم استأنف القسم بقوله : وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وقيل إنه قدم ( لا ) على القسم اهتماما بالنفي واظهارا لقوته ثم كرره بعد القسم تأكيدا ، وقيل ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي ، قاله الزمخشري ، والتقدر : فوربّك لا يؤمنون كما في قوله : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [ الواقعة : 75 ] . حَتَّى غاية أي ينتفي عنهم الإيمان إلى أن يُحَكِّمُوكَ أي يجعلوك حكما بينهم في جميع أمورهم ، لا يحكمون أحدا غيرك وقيل معناه يتحاكمون إليك ، ولا ملجىء لذلك فِيما شَجَرَ أي اختلف بَيْنَهُمْ واختلط ومنه الشجر لاختلاف أغصانه ، ومنه تشاجر الرياح أي اختلافها . ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ قيل هو معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام أي فتقضي بينهم ثم لا يجدوا ، والحرج الضيق وقيل الشك ، ومنه قيل للشجر الملتف حرج وحرجة وجمعها حراج وقيل الحرج الإثم أي لا يجدون في أنفسهم إثما بانكارهم ما قضيت به وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ينقادوا لأمرك وقضائك انقيادا لا يخالفونه في شيء بظاهرهم وباطنهم ، قال الزجاج : تسليما مصدر مؤكد أي ويسلّمون لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا ولا شبهة فيه . والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم كما يؤيد ذلك قوله : وَما أَرْسَلْنا